عنوان البحث :مــوازنة بين الــمــداراة والــــمــداهــنة ( دراسة موضوعية في ضوء الحديث النبوي )

اسم الباحث :د . سوسن خالد عبد الرحمن أحمد :

المستخلص
هدفت الدراسة إلى إجلاء العلاقة بين المداراة والمداهنة وكيفية الموازنة بينهما.وذلك في ضوء نصوص السنة النبوية المطهرة . وقد استخدم في هذه الدراسة المنهج الاستقرائي التحليلي الوصفي. و أهم نتائج الدراسة تمثلت في: على المسلم أن يؤانس من حوله ويعفو عنهم ويقدم النصح لهم ولا يقر المنكر ولا يهمل سيء الخلق فيأخذ بيده إلى بر الأمان، ويعرف أنه في المجتمع مسئول عمن حوله لابد أن يرشد ويقول فلا تأخذه في الله لؤمة لائم مقتدياً في ذلك بخير القرون وحملة الشريعة صحابة النبي صلى الله عليه وسلم من نصر الله بهم الإسلام ورفع ذكرهم في الأنام عليهم الرحمة والرضوان .وعلى المسلم أن ينبذ مشاين الأخلاق ويتحلى بمكارمها، ويحب الخير لمن حوله ويبلغ ما علم، يصفح عن الجاهل ويرشد الحائر وينصح المكابر ليري النور في الدياجيرفي مداراة خالية من المداهنة. وتوصى الدراسة بالرجوع إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء بأفعاله وأقواله في التعامل مع البشر .









Abstract
The study aimed to exeplane the relationship between "Modarah" and "Modahana", and how to balance between them in light of the provisions of the Sunnah. It has been used in this study curriculum inductive analytical descriptive. And the most important results of the study was to: The Muslim should be familier with other people and pardon and advices them not recognizing evil but does not neglect bad manners takes his hand to safety and knows that he was responsoble in the community about those around him, and he must guide and says right things as the Prophet does. peace be upon him. The Muslim must be renounce bad ethics and possess good one, and likes good to those around him. The study recommends reference to the Sunnah of the Prophet, peace be upon him and emulate his actions and his words in dealing with humans.








المقدمة:
الحمد لله رب العالمين القائل(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) ، والصلاة والسلام علي نبينا الكريم القائل ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ) .
إن ديننا الحنيف جاء لينقذ البشرية جمعاء من الضلال إلى الهداية ومن الباطل إلى الحق أرشدهم لما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة، صحح عقيدتهم وضبط سلوكهم ومعاملاتهم، والأدلة على ذلك كثيرة لا تحصى، فعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثقفي قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ - وَفِى حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ غَيْرَكَ - قَالَ (قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ) .فأرشدهم صلى الله عليه وسلم في حديثه إلى العقيدة السليمة والسلوك القويم .
ثم إن حسن المعاملة بين المسلمين في مختلف المجالات من أبرز ما نادى به شرعنا وقدوتنا في ذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم وسلف الأمة الصالح، فداروا أهل الجهل والغلظة والفظاظة اتقاء شرهم، ونصحوا أصحاب الأهواء والخطأ والغفلة ولم يجاملوهم لغرض دني ومصلحة دنيوية عابرة .
مشكلة البحث:
ويمكن أن تصاغ مشكلة البحث في السؤال الآتي : ما الفرق بين المداراة والمداهنة ؟ويتفرع عنه:
1- ما المداراة ؟
2- ما الفائدة التي نجنيها من المداراة؟
3- ما مدى أهمية المداراة في الدعوة إلى الله؟
4- ما المداهنة ؟
5- لماذا يداهن المداهن ؟
6- هل المداهن منافق ؟.
7-ما حكم المداراة، وما حكم المداهنة ؟ .
أهمية البحث :
إن الاختلاف بين الطبائع البشرية وتنافرها يهدم المجتمع وصلاح المجتمعات البشرية يكون بحسن المعاملة بين أفرادها مختلفي الطباع والتوجهات فمنهم العتل الجواظ المتكبر، ومنهم المداهن، ومنهم الهين اللين السهل، ومنهم المحتسب .
وتتبين أهمية البحث في الآتي : ـ
1- أهمية الـمـداراة في حياة الناس والتحذير من المداهنة قال تعالى (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) .
2- حاجة المجتمع لحسن المعاملة والتعاضد والتعاون وذلك بالمداراة ولين الكلمة
3- المداراة تزيل الحقد والضغائن من القلوب .
4- وبالمداراة نتعامل مع الناس على قدر عقولهم، وفي الحديث (يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِى فَحَّاشًا، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ) . .
5- ولأهمية المداراة والحاجة إليها في الدعوة إلى الله عز وجل، والتدرج في الدعوة قال تعالى ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى ) 15، أي المجادلة بالتي هي أحسن، فلذلك ولغيره رأيت أن أذكر شيئاً عن المداراة، خاصة مداراة أهل الجهل وضعفاء العقول وسفهاء الأحلام عملاً بما جاء في القرآن الكريم واقتداءً بنبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، ،،
6- ولكثرة المداهنة في زماننا هذا وعدم تصويب المخطئ إلا القليل منا من يفعله، فغالب الناس يخاف من تصويب المخطئ، وتذكير الغافل، فيسكت أو يجامل صاحب الخطأ الواضح ويصحح قوله وفعله وهو يعلم أنه خطأ .
7- ولأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولأمر ديننا بذلك وأنه لابد من التمسك بالدين وعدم المجاملة والمحاباة لمصالح الدنيا أو المطامع الشخصية، أحببت أن أقدم هذا الموضوع (موازنة بين المداراة المداهنة دراسة موضوعية في ضوء الحديث النبوي).


بين المداراة والمداهنة
تعريف المداراة :
عبارة عن الملاطفة، وحسن المعاشرة مع الناس اتقاء شرهم.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى :
مَا دُمْت حَيًّا فَدَارِ النَّاسَ كُلَّهُمْ فَإِنَّمَا أَنْتَ فِي دَارِ الْمُدَارَاةِ
و المداراة من أخلاق المؤمنين وهى خفض الجناح للناس، ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول وذلك من أقوى أسباب الألفة. وهي الرفق بالجاهل الذي يستتر بالمعاصي ولا يجاهر بالكبائر، والمعاطفة في رد أهل البــاطل إلى مراد الله بلين ولطف حتى يرجعوا عـما هم عليــه (وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلَّما يُواجِه رجلا في وجهه بشيء يكرهه) ، يعني لا يشافهه لئلا يشوش عليه فانه كان واسع الصدر غزير الحياء فكان يقول : (ما بال أقوام يفعلون كذا)، وهذا أبلغ وأعم نفعا لحصول الفائدة فيه لكل سامع مع ما فيه من حسن المداراة والستر على الفاعل وتأليف القلوب .
ومن معاني المداراة: إظهار الحَسَن في مقابلة القبيح لاستدعاء الحسن . مع سلامة الدين. ومنه قوله تعالى:( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) .
وقد وردت المداراة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة :
فمن نماذج المداراة في القرآن الكريم :
قوله تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) ، فنجد أن القرآن الكريم ذكر الجدل بالحسنى واللين لتحصل الألفة، وقال تعالى (ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ، إي إيضاح الحق باللين .
و أيضاً في دعوة نبي الله موسي عليه السلام لفرعون قال تعالى: ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى) ، والقول اللين هو الرقيق السهل اللطيف، لا غلظة ولا عنف فيه، والفاء في قوله تعالى (فقولا له قولا لينا) لترتيب ما بعدها على طغيانه فإن تليين القول مما يكسر سورة عناد العتاة ويلين عريكة الطغاة، قال ابن عباس رضي الله عنهما لا تعنفا في قولكما . وقيل القول اللين مثل : هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك ؟ فإنها دعوة في صورة عرض ومشورة .
وقال تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى، إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أَنْ تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشَى) .
يقال: هل لك في كذا ؟ وهل لك إلى كذا؟ كقولك : هل ترغب في كذا، وهل ترغب إلى كذا . قال: وأخبر تعالى أنه أمر موسى بإبلاغ الرسالة إلى فرعون بصيغة الاستفهام والعرض، ليكون أصغى لأذنه، وأوعى لقلبه، قال النسفي: بدأ مخاطبته بالاستفهام، الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه : هل لك أن تنزل بنا ؟ وأردفه الكلامَ الرقيق، ليستدعيه باللطف في القول، ويستنزله بالمداراة من عتوّه .
وأيضاُ : كيف تعامل يوسف عليه السلام عندما اتهمه إخوته بالسرقة قال تعالى : (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ) .
ومن نماذج المداراة في السنة :
ما ورد في الصحيحين من حديث عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتِ اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ، أَخُو الْعَشِيرَةِ أو ابْنُ الْعَشِيرَةِ ) . فَلَمَّا دَخَلَ أَلاَنَ لَهُ الْكَلاَمَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْكَلاَمَ قَالَ (أي عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ - أو وَدَعَهُ النَّاسُ - اتِّقَاءَ فُحْشِهِ ) .
والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته ومع ذلك فلم يمدحه بقول فلم يناقض قوله فيه فعله فإن قوله فيه حق وفعله معه حسن عشرة قال القرطبي في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك من الجور في الحكم والدعاء إلى البدعة مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى .
قال ابن حجر في هذا الحديث: قال وهو عند الحارث بن أبي أسامة من حديث صفوان بن عسال نحو حديث عائشة وفيه فقال: أنه منافق أداريه عن نفاقه وأخشى أن يفسد علي غيره، وشرح ابن بطال الحديث على أن المذكور كان منافقا وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بالحكم بما ظهر لا بما يعلمه في نفس الأمر ، فأوضحت رواية صفوان قوله صلى الله عليه وسلم للرجل، وانبساط وجهه عليه الصلاة والسلام له .فالحديث أَصل في المداراة .
وقال النووي: وإنما ألان له القول تألفا له ولأمثاله على الإسلام وفي هذا الحديث مداراة من يتقي فحشه . فإلانة القول له بعد أن دخل فعلى سبيل التآلف .
وفي الحديث رخصة المداراة لدفع الضرر وقد جمع هذا الحديث كما قاله الخطابي علما وأدبا، وهذا أصل في ندب المداراة إذا ترتب عليها دفع ضر أو جلب نفع .
ومن نماذج المداراة في الحديث أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (الْمَرْأَةُ كَالضِّلَعِ إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ ) .
وفي الحديث الندب إلى المداراة لاستماله النفوس وتألف القلوب وفيه سياسة النساء بأخذ العفو منهن والصبر على عوجهن وأن من رام تقويمهن فإنه الانتفاع بهن مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها ويستعين بها على معاشه فكأنه قال الاستمتاع بها لا يتم الا بالصبر عليها .
وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ : (إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ، وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ )، وهذا القول لا يعني المداهنة ولا الموافقة على محرم، وإنما طلاقة الوجه هنا للمصلحة لدفع شر من يداريه .
وفي المداراة يروي عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال :
لَمَّا عَفَوْتُ وَلَمْ أحْقِدْ عَلَى أحَدٍ ** ** أرحتُ نفسي من همَّ العــداواتِ
إنِّي أُحَيي عَــــدُوِّي عنْدَ رُؤْيَتِـــهِ ** ** لأدفعَ الشَّرَّ عني بالتـــحــــــــــياتِ
وأُظْهِرُ الْبِشرَ لِلإنسان أُبْغِضــــهُ ** ** كما أنْ قدْ حَشى قَلْبي مَحَبَّاتِ
وقال زهير بن أبي سلمى :
وَمَنْ لَم يُصانِعْ في أُمُورٍ كَثيرَةٍ ... يُضَرَّسْ بِأَنْيَابٍ وَيُوْطَأْ بِمَنْسِمِ
شروط المداراة : وللمداراة شروط منها : خلوها من المداهنة المذمومة، أن يداري وينتظر التأثير، أن يكون المداري كارها للمنكر، وألا يفوت مصلحة شرعية عند مداراته .
و يتبين أن المداراة هي :
1. دفع الشر والمنكر بالحسنى، وترك حق يتعلق بالشخص نفسه لا بالدين .
2. تبصير أهل الباطل والجهل بخطاياهم دون التشهير بهم .
3. الرفق في معاملة أهل الشر ليقتدوا بالأخيار .
4. التدرج والتلطف في تقديم النصح .
5. أن المداراة ليس فيها تنازل في الدين ولا غض طرف عن محرم بعكس المداهنة.
تعريف المداهنة : هي المصانعة واللين وقيل إظهار المرء خلاف ما يضمر، والإدهان الغش، ودهن الرجل إذا نافق وهي أن ترى منكرا ً تقدر على دفعه فلم تدفعه، حفظا ً لجانب مرتكبه أو لقلة مبالاة بالدين وقد تكون المداهنة معاملة الناس بما يحبون من القول والفعل، والثناء عليهم بما ليس فيهم، ولو كانوا على باطل، وقد تحمل بين طياتها معنى التزلف طلبا لرفعة أو مكانة أو رضا مرغوب أو مرهوب، ويزيد البلاء حين يكون ذلك على حساب الدين فيمتنع المداهن عن إنكار منكر أو نصرة مظلوم رعاية لحق فاعل المنكر أو الظالم" . وقال القاضي عياض رحمه الله: المداهنة: إنما هي إعطاء بالدين ومصانعة بالكذب، والتزيين للقبيح، وتصويب الباطل للوصول إلى أسباب الدنيا وصلاحها. فهي بَذْلُ الدِّينِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا وهي من الدهان الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه وهي المقاربة في الكلام والتليين ، والمداهنة هي ترك ما يجب لله من الغيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والتعامل عن ذلك لتحقيق غرض دنيوي إذن هي المعاشرة والاستئناس مع وجود المنكر. وتعني معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه . وإظهار الرضا علي الفاسق ومعاشرته والرضا بأفعاله المنكرة، وقال ابن عباس في قوله تعالى (ودوا لوتدهن فيدهنون)، ودوا لو تكفر فيكفرون . وقال ابن زيد في قول الله تعالى ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) , قال الركون الإدهان. والركون إلى الشيء هو السكون إليه بالمحبة له والميل له وأن تطيعوهم أو توادوهم أو تصطنعوهم، أي لا ترضوا أعمالهم، وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا قال ابن عباس : ولا تميلوا على غيّهم ولا تدهنوا لهم .

ومما ذكر يتبين أن المداهنة هي :
1. ترك ما يجب لله من الغيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والتعامل عن ذلك لغرض دنيوي وهوى نفسي لزعم هؤلاء أنهم يريدون أن يعيشوا والمعيشة لا تحصل لهم إلا بالمعاشرة والاستئناس مع وجود المنكر وعده حسناً معروفا، وإظهار الرضا علي المخطئ بما هو فيه من غير إنكار عليه، فالمداهنون: (في الصورة أدلاء وفي الحقيقة قطاع الطرق) .
2. وهي أن ترضي بنقص الدين وتضييع الواجب والوقوع في المحرم من أجل الدنيا والمصالح, ولا تقر معروفاً ولا تنكر منكراً وألا تقول الحق وكلمة العدل ترجو الناس وما عندهم من حظوظ الدنيا الفانية ولن يأتيك منها إلا ما كتب الله لك . ويتردد الكثير منا عند رؤية المنكر أو العلم به أو السماع به من أحد، هل ينكر أم يسكت .
3. تقرير الباطل والسكوت عليه ومجاراة أهل الباطل وبعضهم يلـبِّس على الناس ويجعل هذه المداهنة كأنها حكمة! وهي ليست من الحكمة في شيء وهي من سمات من خف في العلم وزنه واتسم بالكذب قوله وفعله.
الفرق بين المداراة والمداهنة :
والفرق بين المداراة والمداهنة واضح :
1. فليس في المداراة تنازل في الدين ولا غض طرف عن محرم بعكس المداهنة، فالْمُدَارَاةُ مُوَافَقَتُهُ بِتَرْكِ حَظِّ نَفْسِهِ، وَحَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ وَعِرْضِهِ، فَيَسْكُتُ عَنْهُ دَفْعًا لِلشَّرِّ وَوُقُوعِ الضَّرَرِ وقد أمر الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بإنذار عشيرته الأقربين فانتظم ذلك بطون قريش كلها على ما ورد به الأثر في إنذاره إياهم عند نزول الآية وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم عشيرته الأقربين بالإنذار لأنه أقرب إلى نفي المحاباة والمداهنة في الدعوة إلى الله عز وجل إذ لو جازت المحاباة في ذلك لأحد لكانت أقرباؤه أولى الناس به .
2. والْمُدَارَاةِ بَذْلُ الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا أو الدِّينِ أو هُمَا مَعًا وَهِيَ مُبَاحَةٌ وَرُبَّمَا اُسْتُحْسِنَتْ، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ يَنْبَغِي حِفْظُهَا وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا، فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ عَنْهَا غَافِلُونَ وَبِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا جَاهِلُونَ . وقال ابن العربي وَحَقِيقَةُ الْإِدْهَانِ إظْهَارُ الْمُقَارَبَةِ مَعَ الِاعْتِقَادِ لِلْعَدَاوَةِ ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمُقَارَبَةُ بِالدِّينِ فَهِيَ مُدَاهَنَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ سَلَامَةِ الدِّينِ فَهِيَ مُدَارَاةٌ أَيْ مُدَافَعَةٌ ،
3. وقَالَ اِبْن بَطَّال : الْمُدَارَاة مِنْ أَخْلَاق الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ خَفْض الْجَنَاح لِلنَّاسِ وَلِين الْكَلِمَة وَتَرْك الْإِغْلَاظ لَهُمْ فِي الْقَوْل وَذَلِكَ مِنْ أَقْوَى أَسْبَاب الْأُلْفَة . وَظَنَّ بَعْضهمْ أَنَّ الْمُدَارَاة هِيَ الْمُدَاهَنَة فَغَلَط ؛ لِأَنَّ الْمُدَارَاة مَنْدُوب إِلَيْهَا وَالْمُدَاهَنَة مُحَرَّمَة .
4. والمداهنة : هي أن يرضي الداعي بنقص دينه أو تضيع واجب أو وقوع في محرم من أجل دنياه ومصالحه, أو أن يسكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعن قول الحق وكلمة العدل طمعا في الناس، وتوقعا لما يحصل منهم من جاه أو مال أو حظ من حظوظ الدنيا فقلما فعل ذلك أحد إلا أذله الله وأهانه وسلط عليه الناس وحرمه ما يرجوه مما في أيديهم، فالمداهنة خلق قذر، لا ينحط فيه إلا من خف في العلم وزنه، أو من نشأ نشأة صغار ومهانة.
5. ومن الْفَرْوق بينهما أيضاُ: أَنَّ الْمُدَاهَنَة مِنْ الدِّهَان وَهُوَ الَّذِي يَظْهَر عَلَى الشَّيْء وَيُسْتَر بَاطِنه، وَفَسَّرَهَا الْعُلَمَاء بِأَنَّهُ مُعَاشَرَة الْفَاسِق وَإِظْهَار الرِّضَا بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ غَيْر إِنْكَار عَلَيْهِ، وَالْمُدَارَاة هِيَ الرِّفْق بِالْجَاهِلِ فِي التَّعْلِيم وَبِالْفَاسِقِ فِي النَّهْي عَنْ فِعْله، وَتَرْك الْإِغْلَاظ عَلَيْهِ حَيْثُ لَا يَظْهَر مَا هُوَ فِيهِ، وَالْإِنْكَار عَلَيْهِ بِلُطْفِ الْقَوْل وَالْفِعْل، وَلَا سِيَّمَا إِذَا احْتِيجَ إلى تَأَلُّفه وَنَحْو ذَلِكَ .فالمداراة سنة، والمداهنة معصية .
6. وبيّن ابن القيم رحمه الله في كتابه الروح الفرق بينهما فقال : المداراة صفة مدح والمداهنة صفة ذم والفرق بينهما أن المداري يتلطف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق أو يرده عن الباطل، والمداهن يتلطف به ليقره على باطله ويتركه على هواه، فالمداراة لأهل الإيمان والمداهنة لأهل النفاق، وقد ضرب لذلك مثل مطابق ؛ وهو : حال رجل به قرحة قد آلمته فجاءه الطبيب المداوي الرفيق فتعرف حالها ثم أخذ في تليينها حتى إذا نضجت أخذ في بطها برفق وسهولة حتى أخرج ما فيها ثم وضع على مكانها من الدواء والمرهم ما يمنع فساده ويقطع مادته ثم تابع عليها بالمراهم التي تنبت اللحم ثم يذر عليها بعد نبات اللحم ما ينشف رطوبتها ثم يشد عليها الرباط ولم يزل يتابع ذلك حتى صلحت والمداهن قال لصاحبها لا بأس عليك منها وهذه لا شيء فاسترها عن العيوب بخرقة ثم اله عنها فلا تزال مدتها تقوى وتستحكم حتى عظم فسادها .
إذن الفرق بين المداراة والمداهنة كبير، فالمداراة والمداهنة يفترقان في المقصد ويتشابهان في ظاهرهما في التعامل، فوضح الفرق بين المداراة المباحة والمداهنة المحرمة .
والداعي إلى الحق لابد أن يجد العنت والمشقة فعليه بحسن العشرة ولين القول من غير معصية، فالمداراة ذكاء لا يقر باطلاُ .
حكم المداهنة : المداهنة محظورة شرعاً؛ لقول الله عز وجل: (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ*وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) ، فجعل المداهنة صفة للمكذبين فنهى عنها .
ويعلق سيد قطب- رحمه الله تعالى- حول هذه الآية فيقول: "... فهي المساومة إذن، والاعتقاد في منتصفِ الطريق، كما يفعلون في التجـارة، وفـرقٌ بين الاعتقادِ والتجارة كبير، فصاحبُ العـقيدة لا يتخلى عن شيءٍ منها، لأنَّ الصغير منها كالكبير، بل ليس في العـقيدة صغير وكـبير، إنَّها حقـيقةٌ واحدةٌ متكاملة الأجزاء، لا يطـيعُ فيهـا صحابها أحدًا، ولا يتخلى عن شـيءٍ أبدًا، وما كان يمكنُ أن يلتـقي الإسـلام والجـاهلية في منتصفِ الطريق، ولا أن يلتــقيا في أي طــريق".
فالمداهنة معصية .
وقال الغزالي في الإحياء :لا يجوز الثناء ولا التصديق ولا تحريك الرأس في معرض التقرير على كلام باطل، فإن فعل ذلك فهو منافق بل ينبغي أن ينكر فإن لم يقدر فيسكت بلسانه وينكر بقلبه .
فالمداهن بالإضافة إلى تركه واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكتسب إثماً جديداً, وهو إشاعة المنكر ؛ لأن المتعمد للخطأ إذا آمن من مغبة الإنكار عليه يزيد ويتمادى فيما هو فيه فلا يجوز ترك إنكار المنكر ممن يراه .
والمداهن كذاب، ولا يجتمع إيمانٌ وكذب ......
والكذب من علامات المنافق (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) والكذب هو رأس الخطايا وبدايتها، وهو من أقصر الطرق إلى النار،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وإيّاكم والكذِبَ، فإنّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإِنّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النّارِ وَمَا يزَالُ العبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرّى الكَذِبَ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كَذّابا" ، والمؤمن لا يكذب ففي حديث صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، أَنَّهُ قَالَ : قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ : أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَاناً ؟ فَقَالَ :" نَعَمْ ". فَقِيلَ لَهُ : أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلاً ؟ فَقَالَ:" نَعَمْ ". فَقِيلَ لَهُ : أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّاباً ؟ فَقَالَ: لاَ " .
والمداهن الكذاب يُحسن المنكر لفاعله ويقره علي خطئه وهو يعلم أنه منكر وأنه خطأ ولكن يخادع ويرائي أخيه المسلم ولا ينصحه أو يكون واضحاً معه ولا يأخذ منه حقيقة لأنه منافق كذاب، والكذاب لا حيلة معه، قال الشاعر :
لي حيلة فيمن يَنُمُّ فإننــــــي * أطــــوي حديثي دونه وخـــطــابي
لكنما الكذاب يخلق قوله * ماحيلتي في المفتري الكــــذابِ
ويحذق المداهن الكذاب الكلام وينمقه . وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ (إِذَا كَذَبَ الْعَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيلاً مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ) .
وعن سفيان بن أسيد الحضرمي - رضي الله عنه - : قال سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : ( كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ) . وفي الحديث (إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ )
فالكذب من صفات، الذين هانوا على أنفسهم، ولو كانوا كبارًا في أعين أنفسهم لسموا بها عن الكذب .
ونُذكر بعضنا قوله تعالى (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً )، وعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: " يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ ( نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ) ، قَالَ الْقَاضِي هُوَ بِفَتْحِ الْخَاء وَالْبَاء، وَفَسَّرَهُ الْجُمْهُور بِالْفُسُوقِ وَالْفُجُور، وَقِيلَ : الْمُرَاد الزِّنَا خَاصَّة، وَقِيلَ : أَوْلَاد الزِّنَا، وَالظَّاهِر أَنَّهُ الْمَعَاصِي مُطْلَقًا . و( نَهْلِك) بِكَسْرِ اللَّام عَلَى اللُّغَة الْفَصِيحَة الْمَشْهُورَة، وَحُكِيَ فَتْحهَا . وَهُوَ ضَعِيف أو فَاسِد . وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْخَبَث إِذَا كَثُرَ فَقَدْ يَحْصُل الْهَلَاك الْعَامّ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ صَالِحُونَ، وقال ابن بطال فيكون إهلاك الجميع عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصي فكان العذاب المرسل في الدنيا على الذين ظلموا يتناول من كان معهم ولم ينكر عليهم فكان ذلك جزاء لهم على مداهنتهم ثم يوم القيامة يبعث كل منهم فيجازى بعمله .
وفي ذلك دلالة على أن المسلمين إن منعوا العاصي عن معصيته، نجا ونجوا معه، وإن تركوه يفعل المعصية ولم ينهوه، نزل بهم عذاب الله تعالى وهلكوا جميعاً، وقال عليه الصلاة والسلام: (مَثَلُ الْمُدْهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةً، فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلاَهَا، فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلاَهَا، فَتَأَذَّوْا بِهِ، فَأَخَذَ فَأْسًا، فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا مَا لَكَ قَالَ تَأَذَّيْتُمْ بِى، وَلاَ بُدَّ لِي مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ» .
والرواية الأخرى عند البخاري: (مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها ). والمدهن هو المحابي المصانع وهو الواقع في حدود الله . وَهَذَا يَشْمَل الْفِرَق الثَّلَاث وَهُوَ النَّاهِي عَنْ الْمَعْصِيَة وَالْوَاقِع فِيهَا وَالْمُرَائِي فِي ذَلِكَ، وفي رواية " مَثَل الْوَاقِع فِي حُدُود اللَّه تَعَالَى وَالنَّاهِي عَنْهَا " وَهُوَ الْمُطَابِق لِلْمَثَلِ الْمَضْرُوب فَإِنَّهُ لَمْ يَقَع فِيهِ إِلَّا ذِكْر فِرْقَتَيْنِ فَقَطْ لَكِنْ إِذَا كَانَ الْمُدَاهِن مُشْتَرِكًا فِي الذَّمّ مَعَ الْوَاقِع صَارَا بِمَنْزِلَةِ فِرْقَة وَاحِدَة، وَبَيَان وُجُود الْفِرَق الثَّلَاث فِي الْمَثَل الْمَضْرُوب أَنَّ الَّذِينَ أَرَادُوا خَرْق السَّفِينَة بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِع فِي حُدُود اللَّه، ثُمَّ مَنْ عَدَاهُمْ إِمَّا مُنْكِر وَهُوَ الْقَائِم، وَإِمَّا سَاكِت وَهُوَ الْمُدْهِن .
كما أن هذا الحديث الشريف يُقرر سنة من سنن الله سبحانه وتعالى في الكون، وأصلا من الأصول العظيمة، وهو تكافل أفراد الأمة وتضامنهم، وتعاونهم في سبيل تثبيت دعائم الحق والخير والفضائل، وحراستها . فمصلحة المسلمين مشتركة، وسلامتهم كلٌ لا يتجزأ، فإذا أخطأ البعض تعدي هذا الخطأ إلى الباقين، (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) فالخطأ الذي يرتكبه واحد لا يصيب صاحبه فقط بل يصيب المجموع، وتلك التجاوزات، تسيء إلى كامل الأمة، فننتبه إلى أن خطأ واحداً يعود على الكل، فكل من يقول: أنا لا علاقة لي لا دخل لي وقع في الخطأ، لأن هذه الأمة التي وصفها القرآن الكريم بأنها خير أمة، قال تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) وسبب خَيْرَتها وضحته آخر الآية، فلنمتثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم ونطبق سنته (والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أصلٌ من أصول الدين، بل هو كما يقول بعض العلماء: الفريضة السادسة،قال تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) أي فما دامت سنة النبي صلى الله عليه وسلم قائمة في حياة المسلمين، فهم في مأمن من عذاب الله، أما إذا لم يطبقوا سنة النبي الكريم فلا، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَا وَضَعَهَا اللَّهُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ،لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) ، إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوَا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ
فإذا عرف المرء الحق وجب التمسك به ونصرته والذود عنه، فإنه من نتائج المداهنة على حساب الحق نزول البلاء الذي يعم البر والفاجر فإن لكل نوع من البلاء أسباب خاصة وعامة، والنفس البشرية تحتاج إلى الذكري وقد قال الله تَعَالَى (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ ) وعن تَمِيمٍ الدَّارِي أَنَّ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) قُلْنَا لِمَنْ قَالَ (لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) . والإنسان تعتريه الغفلة فعندما يرتكب المسلم خطأً ما يكون غافلاً أَيْ لَيْسَ بِمُسْتَحْضِرٍ جَلَالَ مَنْ آمَنَ بِهِ، فمن استحضر جَلَالَ مَنْ آمَنَ به لا يعصه .
حب السلامة يثني عزم صاحبه عن المعالي، ويغري المرء بالكسل
قد هيئوك لأمرٍ لو فطِنتَ له فاربأ بنفسك أن تَرعى مـع الـــهـَمَــــلِ
الـــخـــاتــمـــة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتعم البركات وتنزل الخيرات والصلاة والسلام علي خير الأنام نبينا محمد ختم الله برسالته الأديان وأكمل نعمته علي الأنام .
وبعد فهذا بعض ما توصلت إليه من نتائج الموازنة بين المداراة والمداهنة في ضوء الحديث النبوي:
1. فقد هدف ديننا الحنيف إلى التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل فالمؤمن كيس فطن فعليه أن يعرف الغاية التي خلق من أجلها والحياة التي هي خير وأبقي والدار التي يخلد فيها والجنة التي يرغب إليها والنار التي يخشى ورحمة الله التي يرجى .
2. وعلى المسلم أن يشعر بمن حوله يؤانسهم ويعفو عنهم ويقدم النصح لهم ولا يقر المنكر ولا يهمل سيء الخلق فيأخذ بيده إلى بر الأمان لينعم بالجنان، ويعرف أنه في المجتمع مسئول عمن حوله لابد أن يرشد ويقول فلا تأخذه في الله لؤمة لائم مقتدياً في ذلك بخير القرون وحملة الشريعة صحابة النبي صلى الله عليه وسلم من نصر الله بهم الإسلام ورفع ذكرهم في الأنام عليهم الرحمة والرضوان .
3. وعلى المسلم أن ينبذ مشاين الأخلاق ويتحلى بمكارمها، ويحب الخير لمن حوله ويبلغ ما علم، يصفح عن الجاهل ويرشد الحائر وينصح المكابر ليري النور في الدياجير، ،،،،
ومن النتائج السابقة توصى الدراسة بالآتي :
الرجوع إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء بأفعاله وأقواله وتطبيقها في حياة المسلمين، وبذلك نكون في مأمن من عذاب الله عز وجل .
فهرس المصادر و المراجع
1. الترمذي، محمد بن عيسى أبو عيسى السلمي، الجامع الصحيح ( سنن الترمذي)، الناشر : دار إحياء التراث العربي – بيروت، تحقيق : أحمد محمد شاكر وآخرون.
2. ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، الناشر : دار صادر – بيروت الطبعة الأولى، 1358 .
3. ابن السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الناشر : مؤسسة الرسالة الطبعة : الأولى 1420هـ -2000 م، المحقق : عبد الرحمن بن معلا اللويحق .
4. ابن العربي، القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي، أحكام القرآن، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان الطبعة: الثالثة، 1424 هـ - 2003 م، علَّق عليه: محمد عبد القادر عطا.
5. ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، الفوائد، الناشر : دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة الثانية، 1393 – 1973.
6. ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء بالدلائل من الكتاب والسنة، الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت، 1395 – 1975.
7. ابن حبان، محمد بن حبان أبو حاتم البُستي، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت. الطبعة : الثانية، 1414 – 1993، المحقق : شعيب الأرنؤوط..
8. ابن حميد، صالح بن عبد الله، وآخرون، نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم ــــــ، الناشر : دار الوسيلة للنشر والتوزيع، جدة الطبعة : الرابعة .
9. ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، الناشر : دار صادر – بيروت، المحقق : إحسان عباس .
10. ابن سيده،أبو الحسن علي بن إسماعيل الأندلسي، المخصص، دار النشر : دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1417هـ 1996م الطبعة : الأولى، تحقيق : خليل إبراهم جفال .
11. ابن سيده، أبو الحسن علي بن إسماعيل الأندلسي، المحكم والمحيط الأعظم، الناشر : دار الكتب العلمية سنة النشر : 2000م، بيروت، تحقيق : عبد الحميد هنداوي .
12. ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر التونسي، التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، الناشر : الدار التونسية للنشر – تونس سنة النشر: 1984 هـ .
13. ابن عبد البر، أبو عمرو يوسف بن عبد الله النمري، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، الناشر : وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب، 1387، تحقيق : مصطفى بن أحمد العلوي، ‏ محمد عبد الكبير البكري .
14. ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم أبو محمد الدينوري، تأويل مختلف الحديث، الناشر : دار الجيل - بيروت، 1393 - 1972، تحقيق : محمد زهري النجار .
15. ابن منظور، محمد بن مكرم الأفريقي المصري، لسان العرب، دار صادر – بيروت الطبعة الأولى .
16. أبو السعود، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، الناشر : دار إحياء التراث العربي – بيروت.
17. أبو الطيب، محمد شمس الحق العظيم آبادي، عون المعبود شرح سنن أبي داود الناشر : دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة الثانية، 1415.
18. أبو الفضل، القاضي عياض، إكمال المعلم شرح صحيح مسلم،، الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، الطبعة: الأولى، 1419 هـ - 1998 م، المحقق: الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيل .
19. الأشبيلي، شهاب الدين محمد بن أحمد أبو الفتح، المستطرف في كل فن مستظرف، الناشر : دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة الثانية، تحقيق : د.مفيد محمد قميحة .
20. الإمام مالك، مالك بن أنس أبو عبد الله الأصبحي، الموطأ، الناشر : دار إحياء التراث العربي – مصر .
21. البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الجعفي، الجامع الصحيح المختصر (صحيح البخاري)، الناشر : دار ابن كثير، اليمامة – بيروت الطبعة الثالثة تحقيق: د. مصطفى ديب البغا .
22. البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء الشافعي، معالم التنزيل في تفسير القرآن (تفسير البغوي)، الناشر : دار إحياء التراث العربي –بيروت الطبعة : الأولى، 1420 هـ، المحقق : عبد الرزاق المهدي .
23. البغوي، الحسين بن مسعود، شرح السنة، دار النشر : المكتب الإسلامي - دمشق ـ بيروت ـ 1403هـ - 1983م الطبعة : الثانية، تحقيق : شعيب الأرناؤوط - محمد زهير الشاويش .
24. البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر، شعب الإيمان، الناشر : مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند الطبعة : الأولى، 1423 هـ - 2003 م، تحقيق الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد و مختار أحمد الندوي .
25. الثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل، خاص الخاص، دار النشر : دار مكتبة الحياة - بيروت / لبنان، تحقيق : حسن الأمين .
26. الثعلبي، أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم النيسابورى، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، الناشر: دار إحياء التراث العربي مكان الطبع : بيروت، 1422هـ .
27. الجرجاني، علي بن محمد بن علي، التعريفات، الناشر : دار الكتاب العربي – بيروت الطبعة الأولى، 1405، تحقيق : إبراهيم الأبياري .
28. الجصاص، أحمد بن علي الرازي أبو بكر، أحكام القرآن، الناشر : دار إحياء التراث العربي - بيروت، 1405، تحقيق : محمد الصادق قمحاوي .
29. الحموي، تقي الدين أبي بكر علي بن عبد الله الأزراري، خزانة الأدب وغاية الأرب، الناشر : دار ومكتبة الهلال – بيروت الطبعة الأولى، 1987، تحقيق : عصام شعيتو .
30. درويش، محيي الدين بن أحمد مصطفى، إعراب القرآن وبيانه، الناشر، دار الإرشاد للشئون الجامعية - حمص - سورية، (دار اليمامة - دمشق - بيروت)، (دار ابن كثير - دمشق - بيروت) الطبعة : الرابعة، 1415 هـ .
31. الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز، سير أعلام النبلاء، الناشر : مؤسسة الرسالة الطبعة : الثالثة، 1405 هـ / 1985 م، تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرون .
32. الزرقاني، محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني، ـشرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، الناشر : دار الكتب العلمية سنة النشر : 1411، مكان النشر : بيروت .
33. السبكي، تاج الدين بن علي بن عبد الكافي، طبقات الشافعية الكبرى، دار النشر : هجر للطباعة والنشر والتوزيع، 1413هـ الطبعة : الثانية، تحقيق : د. محمود محمد الطناحي د.عبد الفتاح محمد الحلو .
34. السجستاني، أبو داود سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، الناشر : دار الكتاب العربي ـ بيروت.
35. السفاريني، شمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم الحنبلي، غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، الناشر : مؤسسة قرطبة – مصر الطبعة : الثانية، 1414 هـ / 1993 .
36. سيد قطب، إبراهيم حسين، في ظلال القرآن، دار النشر : دار الشروق ـ القاهرة.
37. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، الناشر : دار هجر – مصر سنة النشر : 1424هـ ـ 2003م، تحقيق : مركز هجر للبحوث .
38. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر أبو الفضل، تنوير الحوالك شرح موطأ مالك، الناشر : المكتبة التجارية الكبرى - مصر، 1389 – 1969 .
39. الشافعي، أبو عبد الله محمد بن إدريس، ديوان الإمام الشافعي، طبعة دار الفكر بيروت، جمع / محمد عبد الرحيم .
40. الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر، جامع البيان في تأويل القرآن، الناشر : مؤسسة الرسالة الطبعة : الأولى، 1420 هـ - 2000 م، المحقق : أحمد محمد شاكر .
41. العاملي، بهاء الدين محمد بن حسين، الكشكول، دار النشر : دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - 1418هـ -ـ 1998م الطبعة : الأولى، تحقيق : محمد عبد الكريم النمري .
42. العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل الشافعي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، الناشر : دار المعرفة - بيروت، 1379 .
43. الغزالي، محمد بن محمد أبو حامد، إحياء علوم الدين، دار المعرفة بيروت .
44. القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين، الجامع لأحكام القرآن( تفسير القرطبي )، الناشر : دار الكتب المصرية – القاهرة الطبعة : الثانية، 1384هـ - 1964 م، تحقيق : أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش .
45. المباركفوري، محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم أبو العلا، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت .
46. مسلم، ابن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، الناشر : دار إحياء التراث العربي – بيروت، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي .
47. المناوي، عبد الرؤوف، فيض القدير شرح الجامع الصغير، الناشر : المكتبة التجارية الكبرى – مصر، الطبعة الأولى 1356 .
48. المناوي، زين الدين عبد الرؤوف، التيسير بشرح الجامع الصغير، دار النشر مكتبة الإمام الشافعي، الرياض 1408 هـ ــــــــ 1988 م، الطبعة : الثالثة .
49. النسفي، عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين أبو البركات، مدارك التنزيل وحقائق التأويل (تفسير النسفي)، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي .
50. النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (صحيح مسلم بشرح النووي)، الناشر : دار إحياء التراث العربي – بيروت الطبعة الثانية . .

2015-01-18 :تاريخ النشر

http://www.albutana.edu.sd/Publication.php :المجلة العلمية

Lorem ipsum dolor