عنوان البحث :أُسلوب الفكاهة في كتاب "المحاسن والأضداد" للجاحظ (دراسة وصفية تحليلية)

اسم الباحث :د. المعز مهدي علي محمد :

المستخلص
وقفت هذه الدراسة على أُسلوب الفكاهة في كتاب "المحاسن والأضداد" "للجاحظ" ؛ وذلك بهدف التحديد الدقيق والموجز لمعاني الفكاهة والسخرية وما شاكلهما من مسمَّيات، ومن ثمّ الوصول إلى تسميةٍ ذاتِ وصفٍ دقيقٍ لأُسلوبِ "الجاحظ"، وكذلك إثبات صحة نسبة كتاب المحاسن والأضاد "للجاحظ" من خلال أسلوبه الفكه، وأيضاً تجديد الروح في نفائس النثر الأصيل، وحث الكتاب والباحثين على النهل من معينه. واستعرضت الدراسة في سياقها عدداً من تعليقات الكتَّاب وتسمياتهم المتباينة لأسلوبِ "الجاحظ". كذلك قفتْ على ما أورده الجاحظ من طُرفٍ ونوادر في هذا الكتاب، ومن استقى من معينِهِ بعدهِ من الكتَّاب . واتبعت هذه الدراسة المنهج التاريخي الوصفي التحليلي ؛ ومن كلِّ ذلك توصّلتْ إلى نتائجَ، أهمُّها : أن أسلوب الجاحظ – على الأقل في كتابه هذا – فكهاً وليس ساخراً . إضافة إلى الفكاهة التي نجدها في الكتاب تجعلنا نؤيد الرأي القائل بصحة نسبته "للجاحظ" . ومن أهم توصياتها : تريث الكتاب والباحثين قبل إطلاقهم لوصف (ساخر)؛ لِما لهذا الوسمُ من معنى دقيق بيَّنه القرآن الكريم .
Abstract
This paper tackles the style of witticism in the work of "Al-Mahāsin Wa Al-ʼḎḏad" (Amenities and Antonyms) of Al-Jahiz, revealing the accurate meanings of the two words (Witticism and Satire) and their other synonyms, in order to find a specific nomination encompassing the accurate description of Al-Jahiz style in this book. Many of the commentaries and the names given by the writers are discussed. As well, the jokes, anecdotes and amusing stories given by Al-Jahiz, in addition to those who imitated him, are all tackled and discussed, by way of explanation and analysis, as much as I could. I have also tackled the question of the attribution of the book: "Al-Mahāsin Wa Al-ʼḎḏad" (= Amenities and Antonyms) to Al-Jahiz, discussing many of the opinions in this respect.Hence, I could reach many findings, the important of which are:The style of Al-Jahiz, at least in this book, is witty, amusing and humorous, but not satirical or ironical, as many writers like to call it.The witticism or joke of Al-Jahiz is not always comic or funny; though it sometimes arouses contemplation or pondering and induces smiling.The quotations of many of both ancient and modern writers from this book, in addition to similar witticism we find in some of the authors, make us support the opinion that the book is really attributed to Al-Jahiz.
مقدمة :
طَرَقَ الكُتَّاب قديماً وحديثاً مسألة أسلوب "الجاحظ" أيَّما طرْقٍ، فوسموه بالمَلاحةِ، والفكاهةِ، والهُزءِ، والتهكُّم، والسُّخْرية، كذلك أفاضوا الحديثَ حول صحّةِ نسبةِ كتاب "المحاسن والأضداد" "للجاحظ" .
قصدتُ من خلالِ هذه الورقة الوُقوفَ على معاني: الفكاهة، والسخرية، والتهكم، والاستهزاء ؛ ثم بيان ما يمكن أن نطلقَه منها على أسلوب "الجاحظ"، فلا نخوضُ مع الخائضين ونطلقُ على أُسلوبِهِ – دونَ تروٍّ - مرة سخرية، ومرة فكاهة، ومرة تهكُّم، والفرقُ واضحٌ بين هذه المسمّيات . وشدَّني للكتابة في هذا الموضوع ـــــــ بخلاف مكانة "الجاحظ" الأدبية وأُسلوبه الفكه ــــــ تشكيك النقاد في صِحَّة نسبة كتاب "المحاسن والأضداد" " للجاحظ"، فاستعرضتُ بعضَ آراءٍ ذكرها الكُتّابُ حول هذا الموضوع، ورجَّحتُ من خلالِها صحَّة نسبتِهِ إليه .
عرَّفتُ بدايةً بالكتابَ وموضوعاته ؛ حيث طَرقَ الكِتابُ موضوعاتٍ كثيرةً، منها على سبيل المثال : محاسنُ الكتابةِ والكتب، وضدّها، والمخاطبات، والمكاتبات، وحفظ اللسان، والمشورة، والشكر، والعفو، والحبس، والوفاء، والمودة، والبخل، والدهاء، والنساء، والموت، وغير ذلك .
تناولتُ أسلوب "الجاحظ" وفنِّه في التفكُّهِ والتندُّر المضمَّن في الكتابة المعرفية ذات الفائدة، مستعرضاً آراء بعض الكُتَّاب الذين وصفوا أسلوب "الجاحظ" ؛ ثم تقصّيتُ الفكاهة الواردة في كتاب "المحاسن والأضداد " . وتتبّعتُ الكُتُبَ عبر الأزمان باحثاً عن الذين تأثروا بفكاهة "الجاحظ" الواردة في هذا الكتاب، فاستعاروها لِيُلطِّفوا ويُحلّوا بها كُتبَهم ؛ فوجدتُهم كُثرٌ، منهم :"ابن قتيبة"و"إبراهيم بن محمد البيهقي" و"ابن عبد ربه". و"الزمخشري" و" أبو هلال العسكري " و"الوطواط"، "وشهاب الدين النويري"، "و أحمد إبراهيم الهاشمي " ؛ ووثَّقْتُ لكُلِّ ذلِك، ولم أقع على أحدٍ أورد هذه النوادر قبله . وخلُصتُ من هذا كلِّه إلى نتائجَ أوردتها في خاتمةِ الورقة . والله المستعان .
تعريف "الجاحظ" :
"الجاحظُ" من كُتّاب العرب القدامى، واسمه "أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني"، من المتفق أن ولادته كانت سنة 148ه، وتوفي سنة 255 هـ، ؛ صنَّف "الجاحظُ" كثيراً من كتب الأدب المشهورة، وكان بحراً من العلوم، له مؤلفاتٌ مشهورة، منها " البيان والتبيين " و"البخلاء" و"الحيوان"، ورسائل شتى ؛ وصفه "خير الدين الزركلي" بـ( كبيرِ أئمَّةِ العرب )، كان مشوه المنظر، استدعاه المتوكل لتأديب ولده، فنفر الولدُ منه، وسُمِّي جاحظاً لجحوظِ عينيه، وكان موتُهُ بسقوط مجلدات العِلمِ عليه .
موضوعات الكتاب :
من مؤلفات الجاحظ كتاب "المحاسن والأضداد" وهو ما اخترتُهُ للنظر فيه من خلال هذه الدراسة ؛ ونسخته الورقية هذه التي بين يديَّ هي الطبعة الأولى بدار الجيل، بيروت، عام 1997م، شرحها وقدم لها "يوسف فرحات" ويقعُ الكتاب في جزءٍ واحدٍ، مشتملٌ على واحد وخمسين وثلاثمائة صفحة، بما في ذلك المقدمات والفهارس التي غطَّت خمساً وثلاثين صفحة .
فلسفةُ هذا الكتاب أنه يطْرُقُ موضوعاً معيَّناً، فيذكر محاسنَهُ ويأتي لذلك بالشواهد والأمثلة، ويكون هذا تحت عنوان (محاسن كذا)، ثم بعد ذلك يذكرُ ما يمكن أن يعتري هذا الموضوع من مساويء، ويضرِبُ لذلك الأمثلة، تحت عنوان (ضدَّه).
طَرقَ الكِتابُ موضوعاتٍ كثيرةً، أذكر منها على سبيل المثال : محاسن الكتابة والكتب، وضدُّها، وفي محاسنهما ذكر: (كانت العجم تقيد مآثرها بالبنيان والمدن والحصون، مثل بناء أزدشير وبناء أصطخر، وبناء المدائن والسدير، والمدن والحصون، ثم أن العرب شاركت العجم في البنيان، وتفرَّدت بالكتب والأخبار، والشعر والآثار؛ فلها من البنيان غمدان، وكعبة نجران، وقصر مأرِب، وقصر مارد، وقصر شعوب، والأبلق الفرد، وغير ذلك من البنيان، وتصنيف الكُتبِ أشدّ تقييداً للمآثر على ممر الأيام والدهور من البنيان، لأن البناء لا محالة يدرس، وتعفى رسومه، والكتاب باقٍ يقعُ من قرنٍ إلى قرن، ومن أمّة إلى أمَّة، فهو أبداً جديد، والناظرُ فيه مستفيد، وهو أبلغُ في تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير ..... والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجوَّد بيانك، وفخَّم ألفاظك وبجَّح نفسك، وعمَّر صدرك، ومنحك تعظيم العوام وصداقة الملوك، يطيعك بالليل طاعة النهار، وهو المعلم إن افتقرت إليه لا يحقرك، وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة، وإن عزلت لم يدعْ طاعتَك، وإن هبَّت ريحُ أعدائك لم ينقلب عليك، ومتى كنت متعلَّقاً منه بأدنى حبلٍ لم تضطرّك معه وحشة الوحدة إلى جليس السوء، وإنه أمثل ما يقطع به الفُرَّاغُ (الذين لا يجدون ما يشغلهم) نهارهم وأصحاب الكفايات ساعات ليلهم، نظر في كتاب لا يزال لهم فيه ازياد في تجربة، وعقل ومروءة، وصون عرض وإصلاح دين، وتثمير مال، ورب صنيعة، وابتداء إنعام. ولو لم يكن من فضله عليك، وإحسانه إليك، إلا منعُه لك من الجلوس على بابك، والنظر إلى المارة بك مع ما في ذلك من التعرض للحقوق التي تلزم، ومن فضول النظر وملابسة صغار الناس، ومن حضور ألفاظهم الساقطة، ومعانيهم الفاسدة، وأخلاقهم الرديئة، وجهالتهم المذمومة، لكان في ذلك السلامة والغنيمة، واحراز الأصل مع استفادة الفرع؛ ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يشغلك عن سخف المنى، واعتياد الراحة، وعن اللعب، وكل ما تشتهيه، لقد كان له في ذلك على صاحبه اسبغ النعم، وأعظم المنة .....) .وفي ضدَّ ذلك أورد بعض الأخبار تحكي مساويءَ اللَّحنِ في اللُّغة .
نسج "الجاحظُ" على هذا المنوال في كتابه "المحاسن والأضاد " موضوعاتٍ عديدة، منها : المخاطبات، والمكاتبات، وحفظ اللسان، والمشورة، والشكر، والعفو، والصبر على الحبس، والوفاء، والمودة، والبخل، والدهاء، والدنيا، والنساء، والموت، وغير ذلك .

نسبة الكتاب إلى "الجاحظ" :
ما شدَّني للكتابة في هذا الموضوع ـ بخلاف مكانة الجاحظ الأدبية ـ هو تشكيك النقاد في صِحَّة نسبة كتاب "المحاسن والأضداد" " للجاحظ"، حيث ذكر الدكتور "يوسف فرحات " في تقديمه للكتاب : ( في أواخر القرن الماضي أظهر المستشرقون اهتمامهم بمؤلفات الجاحظ، وعني المستشرق "فان فلوتن " بكتاب "المحاسن والأضداد" إلا أن طائفة من النقاد شكَّت بنسبة الكتاب للجاحظ على أساس أن "أبا عثمان" لم يأتِ على ذكرهِ ضمن لائحة الكتب التي أدرجها في مقدمة "الحيوان"، ولم يدْرج كتابه هذا بين أسماء الكتب التي وضعها "الجاحظ" بعد ذلك . ويتضح من تصفح الكتاب وجود فِقرٍ بعيدة بأُسلوبها وروحها عن الكتابة الجاحظية ... مع ذلك فإننا لم نشأ سلخه عن الجاحظ لوجود مقاطع وأقسام جاحظية ..... ) .
نفى بعض الكُتَّاب نسبة الكتاب "للجاحظِ" مطلقاً، ومن ذلك ما وجدته في مقدمة طبعة أخرى للكتاب صاغها "علي بو ملحم" ، خلُص فيها ـ بعد استطرادٍ وحشدِ أسبابٍ ـ إلى أن الكتاب لا علاقة له بالجاحظ، وختم بقوله :( لقد حاول صاحب كتاب "المحاسن والأضداد" أن يقلد "الجاحظ" فلم يستطع، وظهر زيفه لأن أسلوبه يختلف عن أسلوب "الجاحظ"، وتفكيره يتعارض مع تفكير "الجاحظ"، وأنه يفتقر إلى أصالة "الجاحظ" وعبقريته الأدبية والفلسفية ).
قال "أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ"، في مقدمته لهذا الكتاب : ( إني ربما ألّفتُ الكتابَ المحكم المتقن في الدين، والفقه، والرسائل، والسيرة، والخطب، والخراج، والأحكام، وسائر فنون الحكمة، وأنسبه إلى نفسي، فيتواطأ على الطعن فيه جماعةٌ من أهل العلم بالحسد المركب فيهم، وهم يعرفون براعته وفصاحته؛ وأكثر ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلفاً لملك معه المقدرة على التقديم، والتأخير، والحط، والرفع، والترهيب، والترغيب، فإنهم يهتاجون عنذ ذلك، اهتياج الإبل المغتلمة. فإن أمكنتهم الحيلة في إسقاط ذلك الكتاب عند السيد الذي أُلف له، فهو الذي قصدوه وأرادوه، وإن كان السيد المؤلف فيه الكتاب نحريرا نقاباً، ونقريساً بليغاً، وحاذقاً فطناً، وأعجزتهم الحيلة، سرقوا معاني ذلك الكتاب، وألفوا من أعراضه وحواشيه كتاباً وأهدوه إلى ملك آخر، ومدوا إليه به، وهم قد ذموه وثلبوه لما رأوه منسوباً إلي، وموسوماً بي) .
كلامُهُ هنا يُلقي الضوءَ على حركة التأليف في تلك الفترة وما فيها من منافسةٍ محتدِمة بين المؤلفين، وما يمكن أن يعتري هذا التنافس من حسدٍ، وربما تآمر ونحل وسرقة ؛ وهذا نلاحظُهُ بصورةٍ أكثر وضوحاً في التالي من قولِهِ :
( وربما ألفت الكتاب الذي هو دونه في معانيه وألفاظه، فأترجمه باسم غيري، وأحيله على من تقدّمني عصره مثل "ابن المقفع" و"الخليل" و"سلم" صاحب بيت الحكمة، و"يحيى بن خالد"، و"العتابي"، ومن أشبه هؤلاء من مؤلفي الكتب، فيأتيني أولئك القوم بأعيانهم الطاعنون على الكتاب الذي كان أحكم من هذا الكتاب، لا ستنساخ هذا الكتاب وقراءته علي، ويكتبونه بخطوطهم، ويصيرونه إماما يقتدون به ويتدارسونه بينهم، ويتأدبون به، ويستعملون ألفاظه ومعانيه في كتبهم وخطاباتهم، ويروونه عني لغيرهم من طلاب ذلك الجنس، فتثبت لهم به رياسة، ويأتم بهم قوم فيه، لأنه لم يترجم باسمي، ولم ينسب إلى تأليفي . وهذا كتاب وسمته ( بالمحاسن والأضداد ) لم أسبق إلى نحلته، ولم يسألني أحد صنعه ؛ ابتدأته بذكر محاسن الكتابة، والكتب، وختمته في ذكر شيءٍ من محاسن الموت، والله يكلؤه من حاسد إذا حسد) .
لعل هذا الكلام عن السَّرِقِ، واعتزام "الجاحظ" نفسه على النحل والتواري، هو أول ما جعل النقاد - ومن بينهم " ملحم" الذي ذكرته سابقاً - يشككون في نسبة الكتاب "للجاحظ". عبر "شوقي ضيف" طريقاً وسطاً خلُص فيه – بكياسة – إلى أن الكتابَ في الأحوال كُلِّها جاحظيٌّ، حيث قال: ( ... كتاب المحاسن، والأضداد الذي ينسبُ إلى "الجاحظ"، وقد لا يكونُ هذا الكتاب له، ولكن من يقرأ فيه يؤمن بأنه إما أن يكون من صنع "الجاحظ" نفسه، أو من صنع شخصٍ استمده من مغالطات "الجاحظ" في كتبه).
غير أننا نجد من الكُتَّاب القدامى من استشهد بكتاب "المحاسن والأضداد" المنسوب "للجاحظ" في مواضعَ عديدةٍ من كتبهم، ومنهم على سبيل المثال " محمد بن العباس الخوارزمي، أبو بكر" (المتوفى: 383هـ)، في كتابه " الأمثال المولدة"، كذلك استدلّ به بعض النقاد والمحققين المشهورين ونسبوه "للجاحظ" أمثال "أحمد محمد شاكر" ، مما يشير إلى اعترافهم الضمني به .
تعريف الفكاهة لغةً واصطلاحاً :
إذا كانت الفكاهةُ هي السمةُ الغالبةُ في أسلوبِ "الجاحظ"، فلعلنا من خلالها نستطيع أن نصل إلى نتيجة تتعلق بهذا الشك الذي قال به بعضُ النقاد، إما بتعْضِيده، أو بدحْضِه ؛ لكن قبل كلِّ شيءٍ علينا أن نقفَ بدايةً عند معنى الفكاهة .
قال "ابن منظور" في معنى الفكاهة : (رجلٌ فكه : يأكلُ الفاكهة، وفاكهٌ : عنده فاكهةُ .... والفاكهانيُّ : الذي يبيع الفاكهة ... وفكَّههم بمُلَح الكلام : أطرفهم، والفاكِهُ المازِح .... والفُكاهة بالضمِّ المزاح )، وهذان المعنيان متفقٌ عليهما بين كتاب المعاجم، ويتحدث "الجاحظ" عن المزح وموقعه ومقداره، ( وللمزح موضعٌ وله مقدار، متى تجاوزهما أحد، وقصر عنهما أحد، صار الفاضلُ خطلاً، والتقصير نقصاً فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر، ولم يعيبوا المزح إلا بقدر، ومتى أريد بالمزح النفعُ، وبالضحك الشيء الذي جُعِل له الضحك، صار المزحُ جدَّاً، والضحك وقاراً ) .
تحدث "أبو حيان التوحيدي" عن حاجة النفس للفكاهة : (إن النفسَ تَمَل، كما أن البدن يكل ... وكما لا بد للبدن أن يستعيد ويستفيد بالجمام، كذلك لا بد للنفس من طلب الروح عن تكاثف الملل ) . وعن الفكاهة ذكر "الحوفي" : ( إن الفكاهة ذات وظيفة اجتماعية عظيمة الأثر لأنها تثير الضحك، وهي وسيلة لأن يُنفِّسَ الإنسان عن نفسِهِ ويستردَّ نشاطَهُ ويقتدر أن يعيش في مجتمعٍ لا يخلو من همومٍ وأكدار).
قال "الحوفي" أيضاً حول السخرية من المجتمع : ( إن المجتمعَ قلما برِيء من عيوبٍ يضيقُ بها كثيرٌ من الناس، وهم لا يستطيعون أن يحبسوا ضيقهم بين جوانحهم، ولا يستطيعون في الوقتِ نفسِهِ أن يقاوموا هذه العيوب مقاومة مادية لأنها ليست عدواناً عليهم،، وليست جرائم يعاقب عليها القانون، لخفائها أو لعارضٍ آخر، وفي هذه الحالة لا مندوحة للساخطين من أن يُسَرُّوا أنفسهم بالفكاهة والتهكم والضحك، أما الفائدة الثانية فهي أن العيوب الاجتماعية نوعٌ من التصلُّب والجمود، والتخلف عن مجاراة المجتمع، ومسايرة المثل الأعلى، ولا سبيل أجدى من الفكاهة والتهكم، في تقويم اعوجاجهم، وحملهم على المرونة ) . فالسخرية يرادفها التهكم ؛ كما نلاحظ أن الحوفي هنا أطلق مجموعة مسمَّيات، هي الفكاهة والتهكم والضحك، والفرقُ بين الفكاهةِ والتهكُّم – كما سنرى – كبير .
أقف هنا لأبيِّن الفرقَ بين : الفكاهةِ، والسخْرية، والتهكُّمِ، والاستهزاء، من خلال شرح "ابن منظور" لمعانيها ؛ فعنِ التهكم ذكر : ( الهَكِمُ: المُتَقحِّم عَلَى مَا لَا يَعنيه الَّذِي يتعرَّض لِلنَّاسِ بشرِّه؛ وأَنشد:
تَهَكَّمَ حَرْبٌ عَلَى جارِنا، ... وأَلْقى عَلَيْهِ لَهُ كَلْكَلا
والتَهَكُّمُ: التكبُّرُ. والمُسْتَهْكِمُ والمُتَهَكِّمُ: المتكبِّرُ، والتَهَكُّم: التبَخْتُر بَطَراً ).
وعن الاستهزاء قال : الهُزْءُ والهُزُءُ السُّخْرِيَةُ، واسْتهْزأ به : سخر)، وهو بذلك جعل الاستهزاء مرادفاً للسخرية .
وعن السخرية ذكر : سخر: سَخِرَ مِنْهُ وَبِهِ سَخْراً وسَخَراً ومَسْخَراً وسُخْراً، بِالضَّمِّ، وسُخْرَةً وسِخْرِيّاً وسُخْرِيّاً وسُخْرِيَّة: هَزِئَ بِهِ؛ وَيُرْوَى بَيْتُ أَعشى بَاهِلَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
إِني أَتَتْنِي لِسانٌ، لَا أُسَرُّ بِهَا، ... مِنْ عَلْوَ، لَا عَجَبٌ مِنْهَا وَلَا سُخْرُ
وَيُرْوَى: وَلَا سَخَرُ، قَالَ ذَلِكَ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ مَقْتَلِ أَخيه
يُقَالُ سَخِرْتُ مِنْهُ، وَلَا يُقَالُ سَخِرْتُ بِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ..) ، وهذه الآية فسرها "الطبري" ، بقوله :( لا يهزأ قومٌ مؤمنون من قومٍ مؤمنين) وسَخِرْتُ مِنْ فُلَانٍ هِيَ اللُّغَةُ الفصيحةُ. وَقَالَ تَعَالَى: ( فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) ، وَقَالَ: (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ)

وَقَالَ الرَّاعِي:
تَغَيَّرَ قَوْمِي وَلَا أَسْخَرُ، ... وَمَا حُمَّ مِنْ قَدَرٍ يُقْدَرُ
قَوْلُهُ أَسخَرُ أَي لَا أَسخَرُ مِنْهُمْ.
جعل ابن منظور كذلك السخرية مرادفةً للاستهزاء، ولا يخفى علينا ما في الآية: (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ)، من مشاكلةٍ بلاغية .
أورد "الجاحظ" البيت التالي ونسبه إلى أبي نواس، وأتينا به تعضيداً لقولنا بترادف السخرية والاستهزاء :
ودعوا، بالله، أن تهزوا به ** لعن الرحمن من منه سخر
ونخلص إلى أن التهكم فيه تسلُّطٌ وتكبُّر، وهذا يدخل في معاني الاستهزاء والســـخرية، وهما مترادفان ؛ والفكاهةُ تختلفُ عن هذا كُلِّهِ، فهي ضحكٌ وإضْحاكٌ بغيرِ أذى .
أُسلوب "الجاحظ" في الفكاهة :
قال "عبد السلام سرحان" عن أسلوب الجاحظ : (خَلَطَ الجدَّ بالهزل وطعَّم عباراته بأصداف الملح والفكاهات حتى لا يتسرب إلى القاريء، الملل) . وذكر "بطرس البستاني" : (كان الجاحظ خفيف الروح، مطبوعاً على السخر والتهكم مما يصور نفسه المرحة التوَّاقة إلى الدُّعابِ، وطالما التمس الجاحظ النكته وأوردها، ولو كانت على نفسه).
عدَّ كذلك "طه الحاجري" السخرية من مميزات أسلوب "الجاحظ"، وأنها وليدة الطبع عنده : (وتعتبر السخرية من أبرز الصفات التي يمتاز بها "الجاحظ" في كتابته ... والأصل في هذه الروح يرجعُ إلى طبيعةِ "الجاحظ" ومزاجه، فقد كان رجلاً مرح النفس، نزاعاً إلى الضحك).
إن "الجاحظ" يقصد الفكاهة والإضحاك في مؤلَّفاته قصداً، ويحشرُها في سياقِ حديثِه حشراً، مؤمناً إيماناً تامَّاً بضرورةِ ترصيعِ المؤلَّفِ بهذه النوادرِ والطرائف، خشية أن يملَّ القاريء، وهذا يؤكِّدُه لنا قولُه في وصف الكتاب، وما بنبغي أن يكون عليه: (والكتابُ وعاءٌ مُليء علماً، وظُرفٌ حُشي ظُرفاً، وإناءٌ شُحن مِزاحاً، وإن شئت كان أعيا من "باقل"، وإن شئت كان أبلغ من "سبحان وائل"، وإن شئت سرَّتك نوادره، وشجتْك مواعظه).
قال عنه "عباس عبد الساتر" : ( لقد تمتّع بطلاوة الحديث، ورطوبة الفكاهة، ورقَّة الدعابة. ومُنح أبو عثمان ذكاءً فائقا، وملاحظةً دقيقةً، وصراحةً مطلقةً، وعقلاً راجحاً، وثقةً وتفاؤلاً عميقين، مما جعله رجلاً عزيز الجانب، غير مكروهٍ، ومحبّباً غير محتقر ) .
إضافة إلى روح المرح التي يمتلكها "الجاحظُ"، هناك سببٌ آخر قويٌ جعل من أسلوب الطرفة عنده أداة ناضجةً وفعَّالةً، وهو امتلاكُهُ لناصيةِ اللغةِ بألفاظِها ومترادفاتِها يقول " شوقي ضيف " : (يسوق الجاحظ عباراته ومزاوجاته، وإن الإنسان ليخيَّل إليه كأنما سُخِّرت له ألفاظ اللغةِ تسخيرًا، فهو يختار منها ما يشاء، ويهوى في غير عنت ولا تكلف، بل في مهارة وحذق) . ويُفصِّل "محمد بركات" : (توفر "للجاحظ" من الاطِّلاعِ على أسرارِ اللغةِ، ما مكَّنه من اختيار الألفاظ وجعلها مرنة ليِّنة عند استخدامها، فقد كان "الجاحظُ" قائدَ زِمامها، يوجّهها كيف يحلو له، ومن هنا فإن "الجاحظَ" يبدعُ في اختيارِ ألفاظِهِ الموحية التي تعطي كل بيئة ملامحَها بصدقٍ، لهذا نرى "أبا عثمان" عندما يتحدث عن البخلاء يكثر من إيراد ألفاظ البخل كالشُّح، والحرص، والجشع، والمرق، والسرف)،
يقول "طه الحاجري"عن سبب سخرية "الجاحظ ": (كان أثر دراسته الذاهبة في شتى المعارف والآراء، والمذاهب على النحو الذي أتاحته له مدينة البصرة الذاخرة بصنوف الأجناس، وألوان العقول، والثقافات). أورثه هذا التنوع العقلي والثقافي القدرة على المراوغةِ والجدل قال "شوقي ضيف" : (تربّى "الجاحظ" في هذه البيئة على يد أستاذه "النظَّام"، فأخرجه لسِنًا جدِلًا، يعرف كيف يحاور ويداور، وكيف يستعين بالمنطق الصحيح، وكيف يستعين بالمنطق السقيم ليدعم رأيه، وينصر فكرته، وقد تشبث بطريقة الحوار والجدل وما يتعلق بهما من مغالطة وسفسطة، فتكلم كثيرا عن محاسن الأشياء، ثم عاد فتكلم عن مساويها، ولعل خير ما يفسِّر ذلك كتاب المحاسن، والأضداد ..) .
لم يكن متعالياً على مجتمعه أو حاقداً عليه، وننظر في قول "نعمان محمد أمين" : ( والساخر هو ذلك المتعالي بنفسه عن المجتمع الذي يضحك منه، وقد يرجعُ ذلك إلى حقدِهِ على هذا المجتمع، فيسخرَ بما منحه الله من موهبةِ السخرية، وقد تكون نابعةً من حساسيةِ الناقد، فهو يكون ذا عين بصيرةٍ نفَّاذة، يحسُّ نقائص المجتمع، ثم يكون ذا روحٍ مرِحٍ ضاحكٍ، يتناول العالم وما فيه تناولاً بأساليب السخرية المختلفة، يقصُد من وراء ذلك الإصلاح).
دراسة تطبيقية :
نطَّوف في السطور التالية على أسلوب الجاحظ وفنه في التفكُّهِ والتندُّر المزروع في الكتابة المعرفية ذات الفائدة، وذلك من خلال كتابه "المحاسن والأضداد " .
مما يحمل القاريء على الابتسام وربما الضحك، ما أورده "الجاحظ" وهو يحدثنا عن محاسن الكتابة والكتب، يقول: (سمعت "محمد بن الجهم" يقول : إذا غشيني النُّعاس في غير وقت النعاس، تناولتُ كتاباً، فأجد اهتزازي للفوائد الأريحية، التي تعتريني من سرور الاستنباه، وعزِّ التبيُّنِ، أشدّ إيقاظاً من نهيق الحمار، وهدَّة الهدم ) .
يقول " بن الجهم" إن الكتابَ يوقظُ حواسَهُ، ويشُدُّ انتباهَهُ، مثلما يفعل نهيقُ الحِمارِ ؛ فالكتابُ على رفعتِهِ وسموِّ مكانتهِ، والحمارُ ونهيقُهُ على وضاعتِهِما، إلا أن القائلَ اسـتطاع أن يجمع بينهما في تشبيهٍ واحدٍ، يُفاجيءُ القاريءَ، فلا يجدُ بُدَّاً من إظهارِ نواجذِهِ . وأضيف أن هذه الطرفة مذكورةٌ أيضاً في كتاب "الجاحظ" "الحيوان" ولم أجد من كان قد ذكرها قبله، وذكرها بعده قلّةٌ منهم "إبراهيم بن محمد البيهقي" و" الزمخشري" .
أورد "الجاحظ" الطُرفة التالية وهو يتحدثُ عن المخاطبات، يُبيِّنُ الحسن منها وضدَّه، ويضرب الأمثلة لكُلٍّ، قال: ( ومرَّ أبو علقمة ببعضِ الطرقِ، فهاجت به مِرَّة ـ أي الصفراء ـ فوثب عليه القوم، فجعلوا يعصرون إبهامه، ثم يؤذنون في أُذنه، فأفلت من أيديهم، فقال: مالكم تتكَأكَؤُنَ عليَّ كتكَأكُئِكُم على ذي جِنَّة، افرنقعوا عني، فقال رجلٌ منهم دعوه فإن شيطانَه يتكلّمُ بالهندية) .
هذه النادرة معروفةٌ، كانت تُحكى عن "أبي علقمة النحوي" ووجدتُها مذكورة أيضاً في كتاب "الجاحظ" "البيان والتبيين" ، وأوردها كذلك "ابن قتيبة" - وهو معاصرٌ للجاحظ توفي بعده - بنفس النص الذي رواها به "الجاحظ"، وأوردها كذلك عددٌ غير قليل من الكتابِ والبلاغيين المتقدمين . وإذا أمعنا النظر فيها نرى أُسلوب الجاحظ - الذي لا جدال فيه - في اختياره للنوادر، وكلُّ كلمةٍ من كلماتها مصمَّمةٌ للتفكُّه والتندُّر، ومن ذلك : (فهاجت به مِرَّة) فإن قيل: (أصابه ألمٌ في بطنه من المرارة ) لما كان في ذلك نكتةٌ ولا طرافة، وأيضاً: (فوثب عليه القوم ) فكلمة وثب تُحفِّزُ خيال القاريء ليتخيَّل شكل الحركة، وتخبره كذلك بإصرار هذا الواثب وعدم تريُّثِهِ، فإن اُسْتُخدِمت كلمة غيرها مثل (أقدم أو أقبل) لكان الكلامُ عاديَّاً غيرَ فكِهٍ، وينطبقُ هذا أيضاً على كلمةِ (أفلت) ؛ هذا بالإضافة إلى الحشدِ من الألفاظ الغريبة ( تتكَأكَؤُنَ، كتكَأكُئِكُم، افرنقعوا)، ثم يأتي التعليق الختامي الأخير(دعوه فإن شيطانَه يتكلَّمُ بالهندية )، وهو لمسةٌ جاحظيةٌ فنية (كوميدية ) بحتة، وقلتُ : "لمسة جاحظية"، لأن هذا التعليق غير موجودٍ في الرواية المعروفة التي تُحكى عن "أبي علقمة "، وقد تُنسبُ أحياناً إلى غيره .
وهذا كُلُّهُ يعضدِّدُهُ قول "القلقشندي" :( قال "أبو نصر الجوهريّ": سقط "عيسى بن عمر" عن حمارٍ له، فاجتمع عليه الناس فقال: ما لكم تكأكأتم عليّ تكأكؤكم على ذي جنّة! افرنقعوا عنّي. أي ما لكم اجتمعتم عليّ اجتماعكم على ذي جنّة تفرّقوا عني. وذكر "الجاحظ" هذه الحكاية عن "أبي علقمة النحويّ" بزيادة فقال: مرّ أبو علقمة ببعض طرق البصرة فهاجت به مِرّة فوثب عليه قوم يعضّون إبهامه ويؤذّنون في أذنه، فأفلت من أيديهم وقال: ما لكم تكأكأتم عليّ كما تكأكؤون على ذي جنّة! افرنقعوا عنّي. فقال بعضهم: دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهنديّة).
أورد "الجاحظ" في الحماقةِ نادرتين "لهبنقة" – وهو "يزيد بن ثروان" يُضربُ به المثلُ في الغباء والحمق – ولم أجدْ هاتين النادرتين في كُتب الجاحظ الأخرى، ولا عند من كَتَبَ قبله، وذكرهما بعده لفيفٌ من الكتاب على سبيل المثال : "إبراهيم بن محمد البيهقي" و"أبو هلال العسكري" ، ويقول "الجاحظ": (... وقيل هو أحمق من هبنقة، وبلغ من حمقه أنه ضلَّ له بعير، فجعل ينادي: من وجد بعيري فهو له، فقيل له: ولِمَ تنشُده ؟ قال : وأين حلاوةُ الظفرِ والوِجدان) . والأخرى: (اختصمت "الطفاوة" و"بنو راسـب" في رجلٍ ادَّعى هؤلاء وهؤلاء فيه، فقالوا: قد رضينا بحُكمِ أولِ طالعٍ يطلعُ علينا، فطلع عليهم "هبنقة"، فلما رأوه قالوا : انظروا بالله من طلع علينا، فلمَّا دنا قصَّا عليه القصَّة، فقال "هبنَّقة" الحكم في هذا بيِّنٌ اذهبوا به إلى نهر البصرة، فألقوه فيه، فإن كان راسبياً رسب، وإن كان طفاوياً طفا، فقال الرجل: لا أريد أن أكون من أحد هذين الحيَّين) .
إن "الجاحظ" يحسنُ اختيارَ ما يقدِّمه لقارئه، سواء كان فكهاً، أو غير فكهٍ، وكأنه يتقمَّصُ شخصية القاريء فيحسُّ بما يجذبه ويُمْتعه، ولعل هذا ما لفت نظر القدامى قبل المحدثين، وقد لاحظتُ هذا في كلامٍ "لابن عبد ربه" وهو يتحدثُ عن أبياتٍ "للحسن بن هاني " ذكرها غير "الجاحظ"، ويبدو أنها لم تَرُقْ "ابن عبد ربه"، وعندما أورد أبياتٍ أخرى " للحسن " ذكرها الجاحظ في مؤلفاته، قدم لذلك بقوله : (وأين هذا الاختيار من اختيار عمرو بن بحر الجاحظ )؛ وفي قوله إشارةٌ واضحة لحصافة الجاحظِ فيما ينتقي من نصوصٍ تجدُ لنفسها موقعاً حسناً في نفس القاريء .
أورد "الجاحظ" نوادرَ عديدةٍ في لَكْنةِ العجمِ، كان قد أورد بعضها في "رسائله" ، وفي "البيان والتبيين" وفي "الحيوان" ، منها : (... فقال مولى أعجمي "لزياد": أحذوا لنا همار وهش، فقال: ماذا تقول؟ فقال أحذوا لنا إيراً، فقال "زياد": الأول خيرٌ من الثاني ) والإيرُ هو الدُّبر . ولم ينس "الجاحظ" أن يتندَّرَ فيما يُقالُ من اللَّحنِ وأخطاءِ النحوِ، ومن ذلك قولُه: (قال رجلٌ "لزياد": أيها الأمير إن أبينا هلك، وإن أخينا غصبنا على ميراثنا من أبانا . فقال "زياد": ما ضيَّعتَ من نفسِك أكثر مما ضاع من ميراثِ أبيك) .
لا تثير فكاهةُ "الجاحظِ" الضحكَ دائماً، وإن منها ما يدفعُ القاريءَ للتأمُّلِ والإعجابِ الذي يصلُ معه إلى حدِّ أن تَرتَسِمَ على شفتيهِ ابتسامةٌ، ومن ذلك ما أورده "الجاحظ" في حُسنِ الجواب: (قيل وقف "المهدي" على امرأةٍ من "بني ثعل"، فقال لها: ممن العجوز؟ قالت: من "طيء"، قال ما منع "طيئاً" أن يكون فيها آخرٌ مثل "حاتم"، فقالت : الذي منع العرب أن يكون فيها آخر مثلك) .
يسيرُ على هذا النهج أيضـاً بيتان أوردهما "الجاحظ" وهو يتكلَّم عن الشكر وضدَّه، هما :
عثمــــانُ يـعلمُ أن الحــــمــــْدَ ذو ثمــــــنٍ ** لكنه يشْــتــهي حمداً بمجَّانِ
والناسُ أكيسُ من أن يمدحوا رجلاً ** حتى يروا عندهُ آثار إحســـانِ
هذين البيتين ذكرهما "ابن قتيبة" ، والبيت الثاني منهما جاء عنده مختلفاً بثلاث كلمات :
والناس أكيس من أن يحمدوا أحدا ** حتى يروا قبله آثار إحسان
وهي ( يحمدوا ) و( أحداً ) و(قبله)، وفي كليهما ـ بالطبع ـ يستقيمُ العروض.
أُفْرِدُ السطور التالية لما قاله "الجاحظ" في البخل والبخلاء، وهو الذي أفرد للبخلاء كتاباً كاملاً، وظلَّ متتبِّعاً لطرائفَ ما قِيل فيهم، ورصَّع هذا الكتابَ ببعضِ مُلحِهم، وإليك جزءٌ مما أورده ، يقول: (كان أبو عبس بخيلاً، وكان إذا وقع الدّرهمُ في يده نقره بأصبعه، ثم يقول: كم من مدينةٍ قد دخلتها؟ ويدٍ قد وقعت فيها؟ فــالآن استقرَّ بك القرار، واطمـأنَّـت بك الدار، ثم يرمي به في صندوقه، فيكون آخر العهد به) . هذه الطرفة رواها بعده كُثْرٌ، منهم: "إبراهيم بن محمد البيهقي" و"ابن عبد ربه" .
ومن الشِّـعر :
ما كنتُ أحسبُ أن الخبزَ فاكهةً ** حتى نزلتُ عند أوفى بن منصــــــور
الحابسُ الروث في أعفاج بغــــــــــلته ** خوفاً على الحَبِّ من لقطِ العصافيرِ
هذين البيتين أوردهما بعده "الوطواط" ، وذكر البيت الثاني فقط " حمد بن عبد الوهاب، شهاب الدين النويري " ، ونسبه "لابن الرومي"، وأستبعدُ أن يكون البيت "لابن الرومي"، وذلك لحداثة سنه لمّا مات "الجاحظ" .

وأيضاً :
نـوالك دونه خــرْطُ القتاد ** وخبزك كالثريا في البعاد
أرى عمر الرغيف يطول جدا ** لديك كأنه من قوم عـاد
هذين البيتين أوردهما بعده " أبو هلال العسكري " ، وأورد أجزاءً منهما كلٌّ من "الوطواط" ، "وشهاب الدين النويري" ، "و شهاب الدين الأبشيهي أبو الفتح " ، "و أحمد إبراهيم الهاشمي " . ولم أقع على أحدٍ أوردهما قبله .
وأيضـاً :
فتىً لا يغارُ على عِرْسهِ ** ولكن يغارُ عــلى خبزِه
رواه بعده "إبراهيم البيهقي"
وأيضاً :
أرى ضيفك في الدار ** وكربُ الجوعِ يغشاه
على خُبْزِك مكتوبٌ ** سيكـفيكهم الله
وجدتُهُ عند " أبي هلال العسكري " ، لم ينسبه إلى أحد، وقدَّم له بقوله : (وقال بعضهم). وكذلك "إبراهيم البيهقي"

وأيضاً :
يبخـلُ بالماءِ ولو أنهُ ** منغمسٌ في وسطِ النيلِ
شُحَّاً فلا تطمع في خبزهِ ** ولو تشفَّعتَ بجبريـلِ
وأيضاً :
خان عهد الهوى عمرو وما خنْتُ عهده ** وجفاني وما تغيَّرتُ بعْده
لـيـس لـي ما حيـيـتُ ذنْبٌ إليهِ ** غير أني يـوماً تغديـتُ عِنده
أورد هذين البيتين "إبراهيم البيهقي" ، ونسبهما "رزق الله شيخو " ، إلى "أبي نواس"، غير أني رجعتُ إلى "ديوان أبي نواس " ولم أجد هذين البيتين .وشعرُ البخلِ في الكتابِ كثيرٌ اقتصرتُ فيه على هذا .
نلاحظ في كلِّ قدَّمنا من فكاهةٍ وطُرفٍ ونوادر، براعة "الجاحظ" في اختياره لما يُضحك، قاصداً تحلية مؤلَّفهِ، ليُشوِّقَ قارِءَهُ ويُمتعه، دون أن يتعرَّض بتجريحٍ وسوءٍ لأحدٍ، ودون أن يؤلم أحداً ذلك الألم الحادث من السُّخرية، والمنهيِّ عنه شرعاً . حتى البخلاء الذين يردُ ذكرُ أسمائهم فيما يسوقه عنهم من طُرفٍ، كانوا ممن يعتزون ويفخرون ببخلهم، يُجاهرون به، ولا يخافون فيه لومة لائمٍ .

خاتمة :
لله الحمدُ والفضلُ والمنَّة، على وافر نعمه، وواسع رحمته، له الحمدُ أن مكنني من إتمام هذه الصفحات، في وقتٍ ليس باليسير، وجهدٍ ليس بالقليل ؛ وقد خلُصْتُ منها إلى ما يلي :
1. الفرقُ كبيرٌ بين الفكاهة وبين التهكم والسخرية، وليس على الكُتَّاب إيراد هذه الكلمات بصياغةٍ توحِي وكأنها من المترادفات، في حين أن لكلٍّ منها معناه المحدد بدِقَّة .
2. بيَّن القرآن الكريم السخرية ؛ فلا ينبغي لنا أن نطلق هذه اللفظة مجازاً على كُلِّ ما هو مُضحك .
3. أسلوب الجاحظ – على الأقل في كتابه هذا – فكهٌ، وليس ساخراً كما يحلو لكثيرين تسميته .
4. لا تثير فكاهةُ "الجاحظِ" الضحكَ دائماً، وإن منها ما يدفعُ القاريءَ للتأمُّلِ والإعجابِ الذي يصلُ معه إلى حدِّ أن تَرتَسِمَ على شفتيهِ ابتسامةٌ .
5. يحسنُ"الجاحظ" اختيارَ ما يقدِّمه لقارئه، سواء كان فكهاً، أو غير فكهٍ، وكأنه يتقمَّصُ شخصية القاريء فيحسُّ بما يجذبه ويُمْتعه .
6. تركزت جميع فكاهة "الجاحظ" في الثلث الأول من الكتاب فقط .
7. أورد عددٌغير قليل من المؤلفين – في عصور مختلفة - طُرف "الجاحظ" ونوادره التي جاء بها في هذا الكتاب، ليُفكِّهوا بها كُتُبهم، ومنهم: ( "ابن قتيبة" و"إبراهيم بن محمد البيهقي" و"ابن عبد ربه". الزمخشري " أبو هلال العسكري " و"الوطواط" .
8. استشهاد الكُتَّاب القدامى والمحدثين بهذا الكتاب في مواضعَ عديدةٍ من كتبهم، إضافة إلى الفكاهة التي نجدها في الكتاب تجعلنا نؤيد الرأي القائل بصحَّة نسبة الكتاب "للجاحظ" .

التوصيات :
1. أوصِي الباحثين بالتروِّي قبل إطلاقهم لوصف ( ساخر ) يَسِمون به أُسلوبَ أحدٍ ؛ لِما لهذا الوسمُ من معنى دقيق بيَّنه القرآن الكريم .
2. يحتاج النثر لجهد المجتهدين، مثلما يحتاج الشعر ؛ لذا أوصي الباحثين بسبر أغواره
3. النثر القديم – وأخص كتب الجاحظ – يمتِّن لغة دارسيه، ويصقل قرائحهم، ووصيتي للكتاب والطلاب إمعان النظر في نصوصه، والمداومة على قراءتها.
المصادر والمراجع :
1. القرآن الكريم
2. البيهقي ، إبراهيم بن محمد : المحاسن والمساويء، تح: أبو الفضل إبراهيم، ط1، مكتبة النهضة، القاهرة 1966م .
3. الهاشمي ، أحمد بن إبراهيم بن مصطفى: جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، تحقيق : لجنة من الجامعيين، مؤسسة المعارف، بيروت، د. ت.
4. النويري ، أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التيمي البكري،شهاب الدين : نهاية الأرب في فنون الأدب:ط1، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة 1423هـ.
5. الحوفي ، أحمد محمد: الفكاهة في الأدب العربي وبعض دلالاتها، محاضرة بجامعة أمدرمان الإسلامية فبراير 1967م .
6. بطرس البستاني : أدباء العرب في الأعصر العباسية، طبعة دار نظير عبود، بيروت 1987م .
7. الجاحظ ، أبو عثمان عمرو بن بحر : البخلاء، ط4، دار المعارف، مصر، د.ت.
8. _____________________: البيان والتبيين، طبعة دار ومكتبة الهلال، بيروت 1423هـ .
9. _____________________ : الحيوان، ط3، دار الكتب العلمية، بيروت، د.ت .
10. ____________________ : رسائل الجاحظ، تح: عبد السلام محمد هارون مكتبة الخانجي، القاهرة 1964م .
11. __________________ : المحاسن والأضداد، تح: علي بو ملحم، دار ومكتبة الهلال، بيروت1423 هـ .
12. __________________ : المحاسن الأضداد، شرح: يوسف فرحات، ط1، دار الجيل بيروت .
13. أبو حيان التوحيدي ، علي بن محمد بن العباس: الإمتاع والمؤانسة، المكتبة العصرية، بيروت 1424 هـ .
14. الخوارزمي ، محمد بن العباس: الأمثال المولدة، طبعة المجمع الثقافي، أبو ظبي 1424 هـ .
15. رزق الله بن يوسف بن عبد المسيح بن يعقوب شيخو: مجاني الأدب في حدائق العرب، مطبعة الآباء اليسوعيين، بيروت 1913 م .
16. الزركلي، خير الدين : الأعلام، ج3، ط10، دار العلم للملايين، بيروت 1992م.
17. الزمخشري، جار الله : ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، ط1، مؤسسة الأعلمي، بيروت 1412 هـ .
18. شهاب الدين محمد بن أحمد بن منصور الأبشيهي: المستطرف في كل فن مستطرف، ط1، عالم الكتب، بيروت 1419 هـ .
19. شوقي ضيف : الفن ومذاهبه في النثر العربي، ط13، دار المعارف، مصر
20. ابن عبد ربه الأندلسي ، أبو عمر، شهاب الدين: العقد الفريد، ج7، تقديم خليل شرف الدين، مكتبة الهلال بيروت 1990م، ص: 71 .
21. عبد السلام سرحان: دراسات في الأدب العباسي، ط2، مكتبة القاهرة، مصر 1965م .
22. إبن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم: الشعر والشعراء، تحقيق "أحمد محمد شاكر"، ج1، دار الحديث، القاهرة 1423هـ .
23. ____________________: عيون الأخبار، دار الكتب العلمية، بيروت1418 ه .
24. القلقشندي ، أحمد بن علي بن أحمد الفزاري : صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، دار الكتب العلمية، بيروت، د.ت ـ
25. ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم: لسان العرب، تح: عبد الله الكبير وآخرون، دار المعارف، مصر.
26. أبو نواس : ديوانه، تح: سليم خليل قهوجي، طبعة دار الجيل، بيروت 2003م.
27. أبو هلال العسكري، أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران : جمهرة الأمثال، طبعة دار الفكر، بيروت، د.ت.
28. أبو هلال العسكري، أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران: ديوان المعاني، طبعة دار الجيل، بيروت د.ت.
29. الوطواط ، أبو إسحق برهان الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى: غرر الخصائص الواضحة، وعرر النقائض الفاضحة، تح : ابراهيم شمس الدين، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت 2008 م. .

2015-01-17 :تاريخ النشر

http://www.albutana.edu.sd/Publication.php :المجلة العلمية

Lorem ipsum dolor